الأربعاء، 16 ديسمبر، 2009

"التامك" كان محميا من طرف "الديستي" و"لادجيد"


رضا الطاوجني رئيس "جمعية الصحراء المغربية" لـ "المشعل"

"التامك" كان محميا من طرف "الديستي" و"لادجيد"

سبق لرضا الطاوجني أن اتهم علي سالم التامك بتعامله مع المخابرات المغربية، قبل ارتمائه في أحضان المخابرات الجزائرية، استنادا إلى معلومات ومعطيات جمعها من مصادر وصفها بالموثوقة وجيدة الاطلاع من "قلب الدار"، كما عاين أكثر من مرة تردد عناصر "الديستي" على سجن سلا، حيث كان التامك معتقلا قصد الالتقاء به، وأسرت له جهات ذات صلة بـ "لادجيد" بطريقة حبية أن يترك التامك يقوم بمهمته دون شوشرة.

"المشعل" أجرت حوارا مع الطاوجني، لإجلاء بعض جوانب تداعيات تصرفات علي سالم التامك ومجموعته الأخيرة، وكانت الحصيلة كما يلي:

- كرئيس لـ "جمعية الصحراء المغربية"، كيف تُقيّم ما قام به علي سالم التامك ومجموعته؟

+ في الحقيقة إن ما يقوم به التامك، وما قام به منذ مدة، رفقة مجموعة من الانفصاليين المنعوتين بـ "بوليساريو الداخل" هو استفزاز مفضوح، لا يمكن السكوت عنه بأي حال من الأحوال.

- في نظرك، هل تحركات هؤلاء وغيرهم من الانفصاليين تسيء للمغرب؟

+ طبعا إن علي سالم التامك ومجموعته، وكل من يسير على دربهم يسيء للوطن وللمغاربة. إنهم يتعاونون في واضحة النهار وعلى مرأى الجميع مع الدولة الجزائرية. وتعاونهم المبيت هذا أضحى الآن تعاونا "رسميا"، حيث بدؤوا في طور "شرعنته" تحت مظلة حقوق الإنسان وحرية التعبير، للمزيد من إحراج المغرب وافتعال مشاكل جانبية من شأنها أن تحجب أحيانا جوهر القضية. إن هؤلاء وغيرهم لا يخفون هذا التعاون الوقح مع الجزائر التي لا تتستر بدورها عن أهدافها المتمحورة حول ضرب استقرار المغرب والنيل منه ليفسح لها المجال في الريادة بالمنطقة.

- هناك من أضحى يعتبر أن "الوحدة الترابية" ليست من الخطوط الحمراء فحسب، وإنما من المقدسات، وكل من مسّ بها وجبت محاكمته بالخيانة العظمى، ما قولك بهذا الخصوص؟

+ فعلا، الوحدة الترابية من المقدسات في الفترة الحالية التي تجتازها بلادنا. فالمغرب، حكومة وشعبا، ضحى كثيرا وأدى الثمن غالبا، إن على المستوى البشري أو المستوى المادي والمعنوي، من أجل استكمال وحدته الترابية، لكنه موازاة مع ذلك، أخذ على عاتقه السير على درب الديمقراطية التي تستوجب الإقرار بحقوق الإنسان واحترامها وحمايتها وصيانتها، ومنها حرية التعبير، لكن عندما تصبح مصالح الوطن العليا مهددة، كما هو الحال في نازلة علي سالم التامك ومن معه من الانفصاليين الذين يعتبرون عملاء بلد أجنبي، وجب التدخل بصرامة، وعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها قصد التصدي للخونة وتقديمهم إلى العدالة من أجل محاكمتهم. وهذا أمر عادي وطبيعي في جميع الدول.

- هناك من يقول إن علي سالم التامك ومجموعته ممولون من طرف الجزائر والبوليساريو، فما قولك أنت؟

+ ما يجب معرفته هو أن جبهة البوليساريو، ما هي إلا مجرد أداة طيعة بين يدي الجزائر لتكريس مخططها العدائي والتوسعي ضد بلادنا على أرض الواقع وبالوكالة. وعلي سالم التامك وأصدقاؤه لا يسترون تعاونهم مع الجزائر ولا يخفونه، ومن الطبيعي أن تكون هذه الأخيرة سخية معهم ماداموا يخدمون مخططاتها.


- ماذا يمثل علي سالم التامك بالنسبة للجزائر والبوليساريو، وبالنسبة للمغرب؟

+ بالنسبة للجزائر وجبهة البوليساريو، يمثل التامك و"بوليساريو الداخل" عموما ورقة مرحلية ضد المغرب، وعندما ستصبح هذه الورقة بدون فائدة وجدوى ضمن قواعد اللعبة سيتم التخلي عنها، هذا كل ما في الأمر. أما بالنسبة للمغرب، فإن علي سالم التامك، كان بالأمس القريب، متعاونا نجيبا ومجتهدا مع الاستخبارات المغربية قبل أن تتوتر العلاقة بين الطرفين، لأن المتعاون النجيب أصبح جشعا ومصدر إزعاج كبير، فتم التخلي عن تعاونه وخدماته، وهذا أمر يعرفه الكثيرون منذ مدة.

- هل ثمة علاقة بين مجموعة علي سالم التامك والمخابرات المغربية؟

+ حسب علمي إن العلاقة بين هذه المجموعة والمخابرات المغربية عرفت توترات قوية خلال الشهور الأخيرة، قبل انقطاع الخيط بينهما.

- هل كان علي سالم التامك يتعاون فعلا مع المخابرات المغربية؟

+ إنه ليس رأيي الشخصي فقط، لكن يمكنني أن أدلي ببرهان مادي في هذا الصدد. عندما كان التامك معتقلا سنة 2002 بالمركب السجني بمدينة سلا، عملت مصالح "الديستي" في عهد العنيكري على جلبه، وقد صنعت منه نموذجا لانفصاليي الداخل، آنذاك كان الوحيد الذي يدلي بتصريحات ويجري حوارات عبر وسائل الإعلام المغربية. وقد أُريد من وراء هذا التصرف إظهار مساحة حرية والتعبير والرأي المتاحة بالمغرب، لدرجة السماح للانفصاليين بالتحرك بكل حرية كما يحلو لهم. لكن التامك شكل شركا وفخا بالنسبة للكثير من الشباب "الانفصاليين" أو الموالين لهم، وبذلك تمكّن التامك من التعرف على مخططاتهم ومشاريعهم، وكل هذا كان يصل، بشكل أو بآخر إلى رجال الجنرال حميدو لعنيكري عندما كان قائما على "الديستي" ثم الأمن الوطني. لكن لا يجب نسيان، أن علي سالم التامك كان يدلي أيضا بمعلومات خاطئة أو مغلوطة لإظهار أنه عميل نجيب ومجتهد، الشيء الذي أدى إلى قذف العديد من الشباب الأبرياء في جحيم الاستنطاقات بمخافر الشرطة، في ظروف قاسية وهمجية أحيانا. وربما يكون بعضهم قد قذف به إلى السجن ظلما وعدوانا، ارتكازا على معلومات مغلوطة كان وراءها علي سالم التامك.

وفي السنوات الأخيرة تعاون مع "لادجيد" إلى حدود شهر مارس من هذه السنة (2009)، إذ قُطعت العلاقة به نظرا لجشعه ووفرة طلباته، فاختار الارتماء، روحا وجسدا، في أحضان المخابرات الجزائرية.

- كيف تمكنت جمعية الصحراء المغربية من فضح علي سالم التامك ومجموعته؟

+ لقد عملنا على هذا الملف منذ سنوات، واكتشفنا بعض حيثياته عندما كان علي سالم التامك معتقلا بالمركب السجني سلا ("الزاكي")، آنذاك توفرت لدينا معطيات، وقد لاحظنا أن عناصر من "الديستي" كانوا يزورنه بالسجن، وعلمنا بعد ذلك، من مصدر موثوق من قلب الدار، أنه استفاد من راتب شهري يبلغ 4500 درهم إضافة إلى امتيازات أخرى. وفي سنة 2008، عندما كنا نتصدى لهذا الشخص (علي سالم التامك) الذي نعتبره خائنا، كانت مفاجأتنا كبيرة عندما أسرّ لنا بعض عناصر "لادجيد" بتركه يقوم بمهمته.

- هل تتابع جمعية الصحراء المغربية تحركات الانفصاليين بالداخل والخارج؟ كيف؟ ولماذا؟

+ من الطبيعي جد أن تعمل جمعيتنا على تتبع حركات وسكنات الانفصاليين، سواء بالداخل أو بالخارج، لتتمكن من التصدي لهم، وهو ما يقومون به هم أيضا. ألسنا في حرب أكثر ضراوة من حرب الميدان الواضحة المعالم؟

- هل قدّم علي سالم التامك خدمات للمخابرات؟

+ لقد قيل لي في لقاءات عابرة وحبية مع بعض عناصر "لادجيد" إنّه قدم خدمات "جليلة"، مكنت المخابرات من اختراق بعض الأوساط الانفصالية.

- هناك من يقول إن جهة رسمية هي التي أوحت إلى جمعية الصحراء المغربية، بالمطالبة بمحاكمة علي سالم التامك ومجموعته، بتهمة الخيانة؟

+ قطعا لا، إنه مجرد افتراء، لقد طالبنا بهذا الأمر منذ سنوات، لكن علي سالم التامك كان محميا وقتئذ من طرف "الديستي" وبعدها من طرف "لادجيد".

- حسب الكثيرين يشكل "بوليساريو الداخل" طابورا خامسا، كيف يجب التصدي لهذا الوضع في نظرك، إن صح هذا الأمر؟

+ أعتقد أن وجود انفصاليي الداخل بين ظهرانينا أمر إيجابي بالنسبة للمغرب وبالنسبة لديمقراطيته، شريطة أن لا تربطهم أية علاقة بالجزائر أو بجبهة البوليساريو أو أي بلد أجنبي يكّن العداء لبلادنا. يمكنهم التعبير عن آرائهم ومواقفهم وأفكارهم الانفصالية في ظل احترام القوانين الجاري بها العمل في المغرب. لكن موازاة مع هذا يجب أن تتوفر بلادنا على مجتمع مدني "وحدوي" نشيط وفاعل حتى يظهر للجميع أن الانفصاليين لا يمثلون إلا أقلية لا تكاد تبين، وهذا أمر فشلت فيه الدولة فشلا ذريعا ولم تتمكن من تحقيقه حتى الآن.

- كيف تقيم وتقرأ تزامن اجتماع اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة مع تحركات علي سالم التامك ومجموعته؟

+ لا يجب أن يخفى علينا أن الجزائر تتوفر على أجندة دقيقة، قصيرة المدى، هدفها استفزاز المغرب، ووسيلة تفعيلها هم عناصر ما يسمى "بوليساريو الداخل" (انفصاليي الداخل)، لذا فمن الطبيعي جدا توقع ما يقومون به، بل إنه أمر منتظر، وإذا كان المسؤولون يعتبرونه مفاجأة أو أمرا غير منتظر، فهذا خطأ كبير ينم عن عدم تتبع الأحداث وتداعياتها على أرض الواقع.

- لكن، هل هذه التحركات من شأنها التأثير على مجرى المفاوضات؟

+ بإيجاز شديد، يمكن تلخيص مشروع الجزائر فيما يلي: لقد انقضّت الجزائر على الفرصة المتاحة لها، والمتمثلة في اختيار المغرب للديمقراطية مهما كان الأمر، واستغلت الظروف لإنشاء شبكة من انفصاليي الداخل، وحاولت تقويتهم على الصعيد الدولي عبر شبكات الدعاية التي تطلبت ملايين الدولارات، كما عملت على تشجيع حدوث تصادمات ومواجهات بين قوات حفظ الأمن وانفصاليي الداخل بالأقاليم الصحراوية، بغية أن تظهر بعض تجليات قمعهم لاستغلال الأمر في المنتديات والمؤسسات الدولية، سعيا وراء توسيع صلاحيات بعثة "المينورسو" وإقحامها في قضايا حقوق الإنسان من جهة، ومن جهة أخرى دفع انفصاليي الداخل إلى الانتفاضة تحت ستار مظاهرات سلمية للتعبير عن الرأي حتى تعم الفوضى ويصعب التحكم في الوضع؛ هذا ما تبينه أجندة الجزائر، وذلك أيضا هو مشروعها على المدى القصير حاليا.

لكن الحمد لله، لقد ظل هذا المخطط على الأوراق فقط، وبالمناسبة أقول إنه خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيكون تحرك المجتمع المدني قويا على مستوى الدفاع عن مغربية الصحراء.

- نعم، ولكن كيف تُقيّم وضع المغرب في اللجنة الرابعة حاليا؟

+ في الواقع أنا مرتاح بهذا الخصوص على المستوى الديبلوماسي وأثق بالمجهودات المبذولة إلى حد الآن، لكن مشكلة المغرب في هذا المضمار تكمن في سلبية مجتمعنا المدني (الأحزاب السياسية ـ المركزيات النقابية ـ الجمعيات...) والتي تجعله غير فاعل وغير مساير وغير حاضر على أرض الواقع بنفس القوة والهالة التي يتحرك بها الانفصاليون بتوجيه وتدبير جزائريين.

- في نظرك، هل الاعتماد على أشخاص مثل "ولد سويلم" (آخر العائدين من المخيمات) في اللجنة الرابعة يخدم موقف المغرب؟

+ لا يخفى على أحد أن "ولد سويلم" كان من أكبر مسؤولي الانفصاليين، وفي جعبته الكثير من الأسرار والمعلومات والمعطيات يمكنه الإفصاح عنها. ودوره سيكون مهما لا محالة، لكن ضمن مجموعة من الأشخاص، إذ إن له دائما ما يقوله أو يدلي به، وبذلك يمثل قيمة إيجابية مضافة من شأنها أن تخدم الموقف المغربي وتؤيده.

- لكن، هل من المجدي الاعتماد على العائدين للدفاع عن موقف المغرب؟

+ طبعا، لا يمكن الاعتماد على العائدين بمفردهم، عليهم أن يكونوا جزءا من كلّ، طرفا ضمن مجموعة من الفاعلين في المجتمع المدني، تتحرك بدقة وبشكل مضبوط ومدروس ومنظم ومخطط له، للدفاع عن وحدتنا الترابية. لكن أتأسف جدا عندما أجد نفسي مضطرا للقول إنه يجب إعادة النظر في مختلف الأوراق التي نمسك بها للقيام بهذه المهمة (الدفاع عن الوحدة الترابية)، والتي أضحت أصلا تجاريا (FONDS DE COMMERCE) مربحا بالنسبة لبعض الأشخاص والجمعيات.

- سؤال قديم ـ جديد، هل جمعية الصحراء المغربية التي تترأسها قريبة من المخابرات؟ وهل تمدها بمعلومات؟

+ (يضحك) إن جمعية الصحراء المغربية أدت الثمن غاليا للحفاظ على استقلاليتها سواء في عهد إدريس البصري أو عندما كان الجنرال حميدو لعنيكري قائما على "الديستي"، ثم مديرا للأمن الوطني والذي ظل يسعى سعيا حثيثا وبجميع الوسائل، إلى وضع يديه على جمعيتنا، وقد كان الصراع مريرا لإفشال مخططه، ويمكن الرجوع بهذا الصدد إلى ما نشرته وسائل الإعلام آنذاك للوقوف على ضراوة هذه الحرب.

في الحقيقة كان من المفروض أن تكون لنا علاقة طبيعية بالمخابرات، لأنها إدارة كباقي الإدارات الأخرى، ولأن نفس الهدف يجمعنا ويوحدنا، وهو الدفاع عن الوحدة الترابية. لكن مع الأسف الشديد ظلت هذه العلاقة مطبوعة بالتصادمات، لذلك اضطررنا إلى اختيار سبيل آخر.

أما بخصوص إمداد المخابرات بمعلومات، نعم عندما تتوفر لدينا معطيات نعتبرها ذات أهمية قصوى، إذ نعمل على إعداد ملفات، نوجهها، إما عبر البريد أو أية وسيلة أخرى، إلى مكتب الضبط للديوان الملكي من أجل التقرير فيما يتوجب القيام به. ولا أخفي عليكم أننا نضع أيدينا على الكثير من المعلومات من هذا القبيل.

- ما هي طبيعة الدعم الذي توفره الدولة لجمعية الصحراء المغربية باعتبار أن همها الوحيد هو الدفاع عن الوحدة الترابية؟

+ (يضحك مليا) إلى حد الآن لم نجن من الدولة سوى العراقيل، عوض دعم عملنا، إنها تعرقل مسار الجمعية، لقد أقمنا جمعنا العام الأخير في شهر يناير (2009) ولحد الآن ترفض السلطات المحلية بأكادير تسليمنا وصل الإيداع رغم المطالبة به مرارا وتكرارا.

ونظرا لأنه أمر غير مفهوم ولا يمكن استساغته في دولة الحق والقانون، فقد عزمت الجمعية على رفع شكاية في الموضوع إلى المحكمة الإدارية، وقد حصلت على دعم الكثير من المنظمات غير الحكومية الناشطة في مجال حقوق الإنسان، على الصعيد المغربي وكذلك على الصعيد الدولي، بهذا الخصوص.

- تحوم الكثير من الشكوك والتساؤلات حول مصادر تمويل جمعية الصحراء المغربية، فما هي مصادر تمويلها؟

+ بكل بساطة، إن جمعية الصحراء المغربية تعتمد على تمويل خاص وذاتي بفضل مجهودات وتضحيات أعضائها وأغلبهم رجال أعمال ناجحين في قطاعاتهم.

- هل لجمعية الصحراء المغربية وجود أو حضور في المخيمات أو بين صحراويي الشتات؟ وهل هؤلاء أعضاء أم مجرد متعاونين؟

+ لقد ربطت جمعية الصحراء المغربية علاقات داخل المخيمات وفي أوساط الانفصاليين عبر العالم، وقد تمكنت الجمعية من إقامة هذه العلاقات بفضل بعض أعضائها الذين لهم روابط قرابة أو صلة بأشخاص على الطرف الآخر، لكنها علاقات وروابط لا ترقى إلى اعتبارها بمثابة وجود وحضور بالنسبة للجمعية في المخيمات، لأن ذلك يعتبر من قبيل المستحيلات في مخيمات محاصرة من طرف مليشيات مسلحة، إنها قلعات لا يسمح فيها إلا بتيار في اتجاه واحد، التيار الذي يمليه النظام الجزائري دون سواه.

- في هذا المضمار، هل سبق لجهة رسمية أن طلبت من جمعية الصحراء المغربية مساعدة ما؟ وما طبيعتها؟

+ نعم، مرة اتصلت بنا وزارة الداخلية أو وزارة الشؤون الخارجية والتعاون لاستفسارنا بخصوص تحركاتنا وبرامجنا وبخصوص معلومات نبثها على الانترنيت أو نبعثها إلى الديوان الملكي.

- ألم يسبق لجمعية الصحراء المغربية أن فكرت في زيارة مخيمات تندوف؟

+ نعم، حاولت ذلك في غضون سنة 2005، إذ وفرت الجمعية عدة أطنان من مختلف المواد في إطار مساعدات إنسانية مرصودة لإخواننا بالمخيمات، لكننا طردنا من مطار الجزائر بعد حجز المساعدات من طرف السلطات الجزائرية. ولا زلنا مقتنعين بالجمعية وبأن إخواننا بالمخيمات محتجزون من طرف النظام الجزائري، لذا علينا دعمهم إنسانيا وسياسيا لتحريرهم من قبضة العسكريين الجزائريين.

- يبدو أن بعثة المينورسو تحاول ـ تحت غطاء دواعي إنسانية ـ السير نحو الإقرار بضرورة فتح الحدود المغربية الجزائرية تدريجيا رغم رفض الجزائر، ما رأيك بهذا الخصوص؟

+ إنها مجرد مضاربات، لن تسمح الجزائر بإعادة فتح حدودها مع المغرب، رغم كل المساعي التي قد تبرز لاحقا، لأن ما تبيته أجندتها، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، بخصوص بلادنا يسير في اتجاه مناقض لهذا المسار، رأسا على عقب، لهذا علينا التعامل مع هذه القضية انطلاقا من هذا الاعتبار، للوقوف ضدا على كل ما من شأنه استهداف استقرار وطننا.

مشكل الصحراء لا يعتبر استراتيجيا وليس مصيريا على المستوى الدولي


محمد الغماري/ خبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية لـ "المشعل"

مشكل الصحراء لا يعتبر استراتيجيا وليس مصيريا على المستوى الدولي

لا يتورع محمد الغماري، الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، عن إعادة وضع النقط على الحروف بخصوص الوضع العسكري وحمّى التسلح وميزان القوى بمنطقة شمال إفريقيا وإشكاليات الصواريخ المتوسطة المدى والسلاح النووي والصناعة العسكرية ومدى إمكانية تقرب الجزائر من إيران، وفي ثنايا هذا الاستجواب مع أسبوعية "المشعل" توضيحات أخرى لا تقل إثارة بخصوص الوضع الجيوستراتيجي والعسكري والاستراتيجي.

حمّى التسلح بالمنطقة


- كيف هو حال الأوضاع العسكرية بمنطقة شمال إفريقيا الآن؟

+ الوضع عموما مطبوع بتسابق حول المزيد من التسلح، خصوصا فيما يتعلق بالأسلحة المتطورة، جوية وبحرية، والتي تتطلب نفقات أكثر. وقد بدا بجلاء استعداد بلدان المنطقة للحصول على أسلحة متطورة، وكل بلد يراقب الآخر أو يتسابق معه.


- لكن ما هي دواعي التسابق للمزيد من التسلح بين الجارتين، المغرب والجزائر؟

+ إن المنافسة بين الجارتين ظلت تطبع العلاقة بين البلدين، فمنذ مدة طويلة احتد الأمر بشكل ملحوظ عندما كانت حرب الصحراء قائمة، تم توقفت المنافسة على امتداد 10 سنوات غير أنه خلال السنوات الأخيرة اقتنى المغرب بعض الأسلحة الجوية والبحرية من الولايات المتحدة الأمريكية وجزئيا من فرنسا، وبعد نصف سنة أو عشرة أشهر على أكثر تقدير، علمنا أن الجزائر التجأت إلى روسيا للحصول على أسلحة مماثلة.


- هل الصراع بين الثالوث : المغرب ـ الجزائر ـ إسبانيا، هو الكامن وراء حمّى سباق التسلح بالمنطقة؟

+ عموما إن الصراع السياسي والاستراتيجي يؤدي إلى هذا التسابق، وبالتالي فإن كل دولة تسعى إلى التوفر على قوة رادعة لكي تُؤخذ مطالبها بعين الاعتبار، لكن سباق التسلح، كيفما كانت حدته أو سرعته، في الوقت الراهن، لا يمكن الحسم بأنه استعداد لحرب مقبلة.


- تسعى الجزائر حاليا إلى تنويع مصادر أسلحتها، وترغب في إقتناء الأسلحة من السوق البريطانية، فهل السبب يرجع إلى البحث عن أسلحة مغايرة تضمن لها الريادة بالمنطقة أم أن هناك دواعي أخرى؟

+ بخصوص السوق الفرنسية، من الأكيد أن الجزائر لا تقبل حاليا الشروط الفرنسية المرتبطة بشراء الأسلحة. وأظن أن الجزائر ـ التي ما زالت تتشبث بمطلب اعتذار باريس الذي اقترفته في حق الشعب الجزائري وتعويض ضحايا النووي ـ تريد أن تُظهر لفرنسا أن بإمكانها في أي وقت اللجوء إلى دول أخرى لا تقل أهمية عنها بل متفوقة عليها. علاوة على أن الجزائر لا تنازع الانجليز في أي أمر.


- ما موقع تونس وليبيا وموريتانيا ضمن سباق التسلح بالمنطقة؟

+ بخصوص موريتانيا، واعتبارا لعلاقاتها مع فرنسا، فإنها تحتمي بها إلى حدّ كبير، إنها مثل الكويت مع الانجليز، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قامت نواكشوط بما ترغب فيه الولايات المتحدة الأمريكية، إذ اعترفت بإسرائيل لتدخل في نطاق الحماية العسكرية والمساعدة الاقتصادية.

أما فيما يتعلق بليبيا، فإنها ستهتم بالتسلح، وهي الآن في طور اتصالات رسمية، وزيارة معمر القذافي لروسيا تدخل في هذا النطاق. وأظن أن الرئيس الليبي غير مقتنع بما عرضت عليه موسكو من أسلحة، إذ أنه اقتنى منها بعض الأسلحة (طائرات ومدفعيات)، لكنه أعادها إليها، حيث تبين له أنها ليست في المستوى المطلوب، وبالتالي فإنه سيتجه إما إلى فرنسا أو إيران، علما أن باريس فتحت له الأبواب، ومن المحتمل جدا أن تقتني طرابلس أسلحة من فرنسا قريبا.


- هل من شأن سباق التسلح أن يؤثر، بشكل أو بآخر على المفاوضات في قضية الصحراء؟

+ لا وجود لحتمية بهذا الخصوص، لأن مشكل الصحراء، دوليا، لا يعتبر مشكلا استراتيجيا مائة في المائة، كما أنه ليس مصيريا بالنسبة لشعوب المنطقة عموما، علما أن الشعب الجزائري يراه حاجزا بالنسبة للمغرب العربي.

لكن من ناحية أخرى إن سباق التسلح مع اتحاد المنافسة، بهذا الخصوص، من شأنه تعطيل المفاوضات زمنيا.


الصواريخ المتوسطة المدى


- تخلت إسبانيا عن اقتناء صواريخ "توماهوك" الأمريكية، هل هذا التخلي يدخل في نطاق السعي للتخفيف من تمركز الأسلحة في المنطقة أم أن الأمر مرتبط بانعكاسات الأزمة؟

+ هذا ما يروجّه الإعلام، لكن لابد من أن يكون هناك سبب سياسي استراتيجي. فأوروبا، ولو أنها حليفة واشنطن، فإنها تريد أن تفرض قوتها وتضمن استقلالها، وأكبر درجة في سلم الاستقلال، سيما الاستقلال العسكري، كما أنها ترغب في إظهار أنها قادرة على أن تملك قوى متكاملة في مختلف المجالات. والواقع أن أوروبا تسعى إلى عدم الحاجة إطلاقا لأمريكا. علما أن إسبانيا ارتفع شأنها بفضل المساعدة الأوروبية، لا الأمريكية.

فأوروبا لا تريد أن تظل إسبانيا دولة ضعيفة حتى تلتحق بركب باقي دول الاتحاد، وكذلك الأمر بالنسبة للبرتغال.

والحكومة الإسبانية الحالية تتخوف من السياسة العسكرية الأمريكية وهيمنتها، علما أن للبيت الأبيض حاليا، أهدافا تختلف عن مصالح أوروبا.


- هل الصواريخ المنتصبة بإسبانيا، الموجهة نحو المغرب هي من هذا النوع (توماهوك)؟

+ فعلا إنها صواريخ موجهة على المدى المتوسط.. في البداية حصلت مدريد على صواريخ عن طريق ألمانيا، وهي التي وجهت مباشرة في اتجاه بلادنا في أقرب نقطة إسبانية منه (الجزيرة الخضراء)، يعني أنها قادرة على ضرب المغرب في العمق لا المدن القريبة فقط، وهذا يعتبر تهديدا قويا. وكانت إسبانيا هي الأولى بالمنطقة التي تتوفر على مثل هذه الصواريخ خارج أوروبا الكبرى.


- أكد أكثر من مصدر أوروبي أن إسبانيا عوضت صواريخ "توماهوك" الأمريكية، (التي كانت ستقتنيها من واشنطن) بصواريخ أوروبية الصنع، فهل فضلت ذلك للتخلص من الشروط الأمريكية المرتبطة باستخدام صواريخها؟

+ من الأكيد أن مدريد ترغب في أن تكون حرة، في استخدام تلك الصواريخ، لكن قبل ذلك، إنها تعلم أن حمايتها مرتبطة بأوروبا، وهذه الأخيرة تعتبر سبتة ومليلية جزءا من التراب الأوروبي.


- هل المغرب والجزائر يسعيان حاليا لاقتناء صواريخ متوسطة المدى؟

+ من الممكن والطبيعي، أن يسعى كل من المغرب والجزائر إلى اقتناء مثل هذه الصواريخ التي أضحت متوفرة في عدّة بلدان لا تصنعها. إسبانيا حازتها منذ أكثر من سبع سنوات وتمتلكها عدّة دول العالم الثالث التي تربطها علاقات قوية بالدول العظمى.

ولا يستبعد أن يحاول المغرب والجزائر الحصول عليها، لأنها في الوقت الحاضر أصبحت أسلحة عادية، بل إنها تعتبر من الأسلحة "الكلاسيكية"، وما يُستبعد حاليا هو السلاح النووي، وما عدا ذلك، ينظر إليه كسلاح عادي يمكن اقتناؤه.


- هل في صالح بلادنا حيازة صواريخ متوسطة المدى حاليا؟

+ من الناحية الاستراتيجية، حبذا لو كانت للمغرب مثل هذه الصواريخ لأن إسبانيا تهددنا في هذا المضمار، وترفض رفضا قاطعا أي حديث عن سبتة ومليلية، حيث تعتبرهما تحت السيادة الإسبانية ولا يحق لأحد النقاش حولهما، وهذا ما تبين بجلاء عندما زار الملك الإسباني رسميا المدينتين السليبتين، وقال إنه قام بتلك الزيارة لأن الجيش طلب منه ذلك، علما أن هذا الأخير يرفض أي كلام عن سبتة ومليلية.

وفي نطاق الردع من الواجب أن يمتلك المغرب مثل هذه الصواريخ، لكن هل للمغرب القدرة كي يتوفر على مثل هذه الصواريخ؟ أقول يجب أن يُدرس هذا الأمر بجدية حاليا.


ميزان القوى بالمنطقة


- كيف تقرأون ميزان القوى بالمنطقة على المستوى العسكري؟

+ أكيد أن إسبانيا هي الأقوى في المجال العسكري كما أنها تفوق بلدان منطقة شمال إفريقيا، وهذا طبعا بخصوص الأسلحة العادية التقليدية، علما أن مدريد تصنع الآن أسلحتها بمساعدة أوروبا.

فمنذ أكثر من 7 سنوات (منذ حرب الخليج الأولى 1991) دخلت إسبانيا في نطاق تصنيع الأسلحة.

على مستوى المغرب العربي، يظل كل من المغرب والجزائر أكبر قوتين، إنهما متقاربان، ربما الأول تجاوز الثانية خلال السنتين الأخيرتين في مجال القوات الجوية والقوات البحرية. فالجزائر، منذ بداية الهدنة الداخلية، كانت قد أوقفت اقتناء الأسلحة.


- هل يمكن اعتبار منطقة شمال إفريقيا والغرب المتوسطي منطقة تسلح مبالغ فيه في الظرف الراهن؟

+ أكيد أنها منطقة تسلح، فهذا لا غبار عليه. إذا نظرنا للأمر من زاوية الجانب الاقتصادي، يبدو بجلاء أن هناك مبالغة، لأنه يجب أن يكون هناك توازن بين ما ينفق في المجال العسكري وما يُخصص للباقي.

عموما، بالنسبة لبلدان المغرب العربي، مازال مطلوبا القيام بمجهود إضافي في ميادين أخرى، غير الميدان العسكري دون إغفال هذا الأخير. فنحن نعيش الآن في عصر الاستسلام، والأولى لنا أن نستثمر فيما هو أفيد وأجدى على المدى القصير والمتوسط.


- هل يمكن القول، بعد تحقيق التقدم في مختلف المجالات، إن أوروبا تفكر حاليا في إبراز مواقعها كقوة عسكرية أولى في العالم؟

+ أكيد أن أوروبا تريد أن تحتل المكانة الأولى. إن عينها الآن على أمريكا والصين وروسيا،

وترغب في احتلال المكانة الأولى، ولا يجب أن يغيب عن أنظارنا أن المسيرة الوحدوية الأوروبية قد تمحورت حول هدف أساسي مفاده أن تكون أوروبا القوة الكبرى الأولى، ليس علميا واقتصاديا فحسب، ولكن عسكريا كذلك. إنها ترى أنه منذ سقوط الحضارة العربية سنة 1492، أضحت هي "سيدة التاريخ"، وعلى امتداد أربعين سنة خلت والمفكرون الأوروبيون يرددون "إما أن نكون القوة الأولى أو لا نكون". إن القارة العجوز ظلت واعية بقدرتها على أن تكون في المقدمة رغم التطاحن الذي طبع العلاقات بين بلدانها سابقا.


الجزائر وإيران


- هل هناك تخوف من طرف إسبانيا، بخصوص اقتناء الجزائر صواريخ إيرانية الصنع ذات المدى المتوسط، هل هذا قائم فعلا؟ وهل يفكر قصر المرادية في هذا المنحى في الظرف الحالي؟

+ من المعلوم أن الجزائر اتجهت في الأيام الأخيرة (السنة الماضية) إلى روسيا، وأظن أن قصر المرادية لم يقتنع بما اقترحته عليه روسيا، ويرى القادة الجزائريون أن ما عرضته عليهم موسكو يمكن لدول أخرى كإيران توفيره دون شروط سياسية. خصوصا أن بعض الجنرالات الجزائريين ليسوا مرتبطين بروسيا بل يفضلون التوجه إلى دول أخرى، ولما لا دول إسلامية.

إذن من الممكن أن تتخلى الجزائر عن روسيا بخصوص بعض الميادين، وليس من المستبعد التفكير في التوجه إلى إيران رغم أن الظرفية غير مساعدة حاليا، هذا ممكن في اعتقادي.


- ماذا عن التخوفات الإسبانية؟

+ فيما يتعلق بتخوفات إسبانيا، إنها في الواقع مبالغ فيها وتعكس الموقف التاريخي والاستراتيجي لشبه الجزيرة الإيبيرية، لمنطقة المغرب العربي.

تاريخيا (بين قوسين)، كانت إسبانيا تنظر دائما إلى أن الخطر يأتيها من المغرب العربي الإسلامي، ومقدمة "الحربة" في العالم الإسلامي بالنسبة لمدريد تبدأ من الشواطئ المغربية إلى الجزائر العاصمة، وهذا منذ سقوط الأندلس. إن الملكة "إليزابيت الكاتوليكية" كتبت في وصيتها تقول :"أشترط على أولادي وأحفادي لكي يستحقوا عرش اسبانيا، أن يعلموا أن العدو العربي الإسلامي، يجب أن لا يطرد من إسبانيا فقط، بل أن يتابع في إفريقيا حتى الجزائر، وعلى هذه المنطقة أن تكون تحت يدهم وأن تظل ضعيفة بما في ذلك عاصمة الجزائر، وان تظل خاضعة لنا". وعلى نفس هذا المسار سار الجنرال فرانكو، إذ لم يساعد هتلر بقوة لأنه اشترط أن تمنح له شمال إفريقيا (تونس، الجزائر والمغرب). وكل هذه الأمور موثقة تاريخيا.


- لكن ألا ترون أنه من الصعب جدا السماح للجزائر بالتقرب، بأي شكل من الأشكال من إيران؟

+ نظرا للعلاقات المتوترة بين الغرب وإيران، فكل شكل من أشكال التقرب من هذه الأخيرة يبدو وكأنه ابتعاد عن الغرب (إن لم يكن إعلانا عن العداء له)، لكن في واقع الأمر، إن علاقات الجزائر بالدول الغربية ليست حبية جدا، ففرنسا رفضت الاعتذار والتعويض، بل إن موقفها كان سيئا كما عبرت عن ذلك تصريحات تفتخر بالعهد الاستعماري، في حين أن الجزائر مازالت تطالب رسميا بالاعتذار والتعويض، وهذا الموقف من شأنه تسهيل التقرب من إيران لاحقا فيما يخص اقتناء الأسلحة.


الصناعة العسكرية



- من المعلوم أن لا وجود لصناعة عسكرية بمنطقة المغرب العربي، لكن هل الجزائر تفكر في إنشاء مثل هذه الصناعة؟

+ إن التفكير في إحداث صناعة عسكرية ظل هاجسا في الجزائر، غير أن هذه الصناعة لم تعرف طريقها إلى التطبيق. لقد كانت هناك إرادة سياسية لكنها لم ترق إلى تخطيط على أرض الواقع.

علما أن الجزائر كونت أطرا في دول مختلفة، في الشرق والغرب، في مختلف العلوم، ويمكن أن تعتمد عليهم بخصوص الأسلحة الخفيفة.

وفي هذا المضمار، (تكوين الأطر)، إن الجزائر مازالت متفوقة على المغرب، إنها تنفق أكثر منا وتوفر منحا أكثر منا في مجال مختلف العلوم.


- لنحلم مليا.. هل تعتبرون أنه من الضروري وجود سلاح نووي رادع بالمنطقة؟

+ الأمر الخطير بهذا الخصوص هو أن إسرائيل تعتبر القوة النووية الثالثة في العالم، إنها تأتي بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، كما أنها متفوقة على فرنسا وبريطانيا، ولا يوجد، بالنسبة للعرب، عدو أقوى منها (أي إسرائيل) وهي ليست أهلا للثقة، لأن بإمكانها أن تضرب متى تشاء وحيث تشاء. فإما أن تتوقف إسرائيل عن تعنتها، ولا أظنها فاعلة، وإما أن تأخذ بعض الدول العربية المبادرة سعيا منها إلى صنع سلاح نووي.


- هل يمكن للجزائر أن تطمح للسير على هذا الدرب؟

+ الآن ليس لدى الجزائر أي طموح من هذا النوع، وفي الحقيقة البلد الأقرب لتحقيق هذا الطموح حاليا هي سوريا أو مصر، لكن الاتجاه السياسي المهيمن بالقاهرة لن يسمح ولو بالتفكير في هذا الأمر إطلاقا.

أما الجزائر فتتوفر على مؤهل، أكثر من سوريا ومصر، إنه الجانب المادي والاقتصادي (النفط)، إذ عندما ستقرر فإن لها الإمكانية المادية لتسريع هذا التنفيذ.


- هل حان الوقت ليهتم السياسيون والمنتخبون ببلادنا بالشؤون العسكرية والتحليلات الاستراتيجية؟

+ نعم لقد حان الوقت (في الواقع فات الأوان) ليهتموا بكيفية جدية وباستمرار بالجانب الاستراتيجي والعسكري، علما أن ثقافة أغلبهم في هذا المضمار تكاد تعادل الصفر، إن هذا الجانب يشكل عنصرا أساسيا في الثقافة السياسية، لكنه ما زال مغيبا عند سياسينا ومنتخبينا ولدى صناع القرار ببلادنا.

إن النتائج ستكون وخيمة إذا لم تتنم هذه الثقافة في صفوف هؤلاء، ذلك أن السياسة التي لا يحضر في حسبانها الجانب الاستراتيجي (والعسكري حاليا أكثر من أي وقت مضى) ستظل سياسة وهمية لا تغني ولا تسمن من جوع، لا داخليا ولا إقليميا ولا حتى دوليا.



يوسف المكوري / عضو اتحاد الشباب العربي

يوسف المكوري / عضو اتحاد الشباب العربي

- كيف نجحت الشبيبات المغربية في طرح مشروع إسقاط عضوية البوليساريو من اتحاد الشباب العربي؟

نجاح منظمات الشبيبة المغربية في إسقاط عضوية شبيبة البوليساريو من اتحاد الشباب العربي هو نتيجة عمل امتد لسنوات، بمعنى أن منظمات الشبيبة المغربية قد أوجدت جميع الظروف والشروط الموضوعية لإنجاح هذا القرار وذلك بهدف أن يجد المقترح إقبالا وسط المؤتمر وبالتالي المصادقة والإقرار عليه من طرف المنظمات الشبابية العربية بشكل عام، وبالتالي بهذه المبادرة جاءت نتيجة تراكم عمل مجموعة من المنظمات الشبابية المغربية العضوة في اتحاد الشباب العربي والمتمثلة في الشبيبة العاملة المغربية وشبيبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (الشبيبة الاتحادية) ،حركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية، الشبيبة الاشتراكية، الشبيبة الشغيلة المغربية والشبيبة الاستقلالية، لكن الذي فاجئنا بعد عودتنا للمغرب هو محاولة إحدى المنظمات الشبابية أن تنسب هذا النجاح لنفسها عبر جريدة حزبها دون المنظمات الأخرى.

- لو سمحت لنتحدث بشكل صريح، أنت تقصد الشبيبة الاستقلالية، أليس كذلك؟

+ نعم بالفعل، لقد قالت إن المبادرة تخصها لوحدها.

- وما مدى صحة الخبر القائل إن كل من الشبيبة الاتحادية والاستقلالية لم يحضرا المؤتمر؟

+ لا، حضرت الشبيبة الاستقلالية في مقابل غياب الشبيبة الاتحادية وبالتالي ليس من حق أي منظمة حضرت أشغال المؤتمر أن تنسب لنفسها ما تحقق وتقول إنها كانت وراء إسقاط عضوية البوليساريو لأن الأمر يتعلق بعمل جميع المنظمات الشبابية المغربية، وهنا يجب أن أوضح أن الشبيبة العاملة المغربية التابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب وهي نقابة حزب الاستقلال، متفقة معنا في القول إن العمل عمل جماعي ولا يمكن أن ينسب لمنظمة دون أخرى بالإضافة إلى قرار إسقاط عضوية شبيبة البوليساريو من اتحاد الشباب العربي، كما عرف المؤتمر شيئا آخر أكثر أهمية، إذ لأول مرة في تاريخ اتحاد الشباب العربي يصدر بيان سياسي عن المجلس المركزي يرفض ويدين أي مس بالوحدة الترابية المغربية شمالا وجنوبا، وهذا موقف سياسي واضح اتخذ بالإجماع من قبل الحاضرين في الاجتماع والفضل يرجع إلى جميع المنظمات الشبابية المغربية بدون استثناء.

- قلت إن القرار الأخير اتخذ بالإجماع، هل هذا يعني تراجع حظوة الشباب الجزائري لدى اتحاد الشباب العربي، إذ ما أخذنا بعين الاعتبار ما جرى عندما نظم مؤتمر الاتحاد بالجزائر، حيث تأكد للجميع حجم الدعم المقدم لشبيبة البوليساريو من قبل الجزائريين؟

+ الأمر لا يتعلق بتراجع امتداد الشبيبة الجزائرية وإنما بدأت الشبيبات العربية تقتنع بالطرح المغربي وبمشروعية وعدالة القضية المغربية، ذلك وضعية شبيبة البوليساريو داخل الاتحاد وضعية شاذة لأن دولة البوليساريو غير موجودة واقعيا أي على الأرض، وهذا الوضع الشاذ هو ما قمنا بتصحيحه.

أسبوعية المشعل


عثرات الدبلوماسية المغربية وانتصاراتها

بين النهج التقليدي ومعادلة الربح والخسارة

أثارت القرارات الدبلوماسية ، الكثير من التساؤلات بين مؤيد ومعارض، مساند ومنتقد. كما تولدت عنها جملة من الاستفسارات حول طبيعة العلاقة القائمة بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسيات الموازية التي مازالت تشكو من فراغ في رأي البعض أو غياب مطلق بالنسبة للبعض الآخر، وقصور توظيفها لخدمة الملفات الكبرى ودعم السياسة العامة للدولة. كما دفعت أيضا إلى تناسل تساؤلات أخرى حول نهج اختيار السفراء والدبلوماسيين وآليات تعيينهم ومراقبتهم وتقييم أدوارهم بخصوص تقديم صورة المغرب كبلد حامل لـ "مشعل الديمقراطية والحداثة واحترام حقوق الإنسان والعصرنة والتسامح الديني بالعالم العربي"، ومجهوداته في نطاق جلب الاستثمارات الخارجية وجعل كفاءات مغاربة الخارج في خدمة البلاد.

تباينت الآراء والمواقف حول آخر أهم قرارين دبلوماسيين اتخذهما المغرب، والخاصين بكل من إيران وفنزويلا، وهما قراران تداخل فيهما السياسي بالسيادي وبالإيديولوجي والديني، مما دفع المهتمين بالشأن الدبلوماسي إلى طرح العديد من الأسئلة حول واقعية هذين القرارين في الظرفية الحالية، وحول عدم نهج نفس المسار والمنحى سنة 2002 مع الجارة الإسبانية بفعل تداعيات حدث جزيرة ليلى.

ينضاف إلى هذه الإجراءات غير المنتظرة، استدعاء سفير المغرب بداكار، عندما نزل قائد أحد الأحزاب السياسية السنيغالية الصغيرة ضيفا على الانفصاليين بتيندوف.

كل هذه القرارات وغيرها دفعت الكثيرين إلى التساؤل: هل دبلوماسيتنا بخير الآن؟ وهل هي فعلا خاضعة لرؤية مضبوطة ومتحكم فيها، أم أنها، خلافا للسابق، نتيجة قرارات مزاجية أو متسرعة؟

هذا في وقت أصبحت أهمية الدبلوماسية تتمثل في كونها لم تعد آلية للسياسة الخارجية فقط، وإنما أصبحت وسيلة لتحقيق أهداف السياسة العامة للدولة، سواء كانت داخلية أو خارجية.

المهمة الأساسية

عندما نتحدث عن الدبلوماسية، إن أول ما يتبادر إلى الذهن، وعن صواب، دور وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، فبالنسبة لجميع الدول تلعب هذه الوزارة دورا أساسيا ومحوريا في الدفاع عن القضايا الوطنية، غير أن المجال الدبلوماسي تجاوز حاليا مرحلة احتكاره من طرف هذه الوزارة، حيث أضحى شأن أكثر من جهة سيما مع سيادة العولمة.

من هذا المنظور تتمحور المهمة الجوهرية للدبلوماسية المغربية حول الفكرة التالية: دعم صورة "المغرب الديمقراطي العصري المجند وراء ملك حداثي متسامح"، في إطار استراتيجية تسعى إلى استكشاف فضاءات جديدة للتعاون الاقتصادي وتقوية القيمة الاستراتيجية الموقعية لبلادنا، لجعلها شريكا نموذجيا لمختلف البلدان وتثمين موقعها الطلائعي بخصوص الأدوار التي يمكن الاضطلاع بها في المحيط المغاربي والعربي والإسلامي والأورومتوسطي والإفريقي في عصر العولمة، في وقت تداخلت فيه القضايا الداخلية بالقضايا الخارجية والعالمية.

هذا علاوة على الترابط بين السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية والسياسة الأمنية والبيئة وحقوق الإنسان وقضايا الثقافة والهوية، وكذلك ولوج فاعلين جدد على الصعيد الدبلوماسي، في الدبلوماسية البرلمانية ودبلوماسية الجماعات المحلية (المنتخبين المحليين) ودبلوماسية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية ودبلوماسية رجال الأعمال ودبلوماسية الشخصيات الوازنة (مثقفين مشاهير، رياضيين) والدبلوماسية الوقائية....

دبلوماسية محمد السادس

تعقدت الأوضاع في عهد الملك محمد السادس، ولوحظ نشاط وحركية الدبلوماسية الاقتصادية بشكل خاص، أكثر من الدبلوماسية السياسية، إذ كان لزاما على بلادنا القيام بجملة من المبادرات المواكبة لمجهودات الدبلوماسية بمفهومها "التقليدي"، وذلك بغية الحفاظ على المصالح والأسواق التقليدية وفتح أسواق جديدة واستقطاب المستثمرين وجلب السياح. وهذا ما نعته البعض بضرورة وإلزامية تكريس دبلوماسية في خدمة التنمية.

لقد تأثرت دبلوماسيتنا بالتحولات التي عاشها العالم بعد 11 شتنبر 2001، إذ أضحت إشكالية الأمن الجماعي مطروحة بحدة أكثر من السابق، بموازاة مع انتشار ظاهرة الانكماش الحضاري وتداعيات الإرهاب الدولي، مما أدى بالدبلوماسية المغربية إلى إعادة النظر في أساليبها ووسائل عملها، سعيا إلى التأقلم مع المناخ الكوني الجديد الذي اتضح أنه مرشح للتغيير بوتيرة متسارعة، خلافا للسابق.

عندما كان وزيرا للخارجية، ظل محمد بن عيسى يقر أن دبلوماسيتنا ترتكز على الواقعية السياسية لضمان استمرار إشعاعها وتطور أدائها وفق ما تستوجبه المستجدات والتحولات المتسارعة التي يشهدها الركحان، الإقليمي والدولي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وأمنيا أيضا.

وقد كان لزاما أحيانا اعتماد آليات اللوبيات لدعم السياسة الخارجية.

اللوبيات الخارجية

من الآليات التي تلجأ إليها الدبلوماسية، اللوبيات الخارجية. ومن الأمثلة البارزة، أن استعان القيمون على الأمور، في إطار التعاطي مع ملف الصحراء، بخدمة أحد اللوبيات بالولايات المتحدة، والمعروف بمبادرة (MAC) American Center OF Policy، وهي عبارة عن أرضية أُقرّت من طرف الحكومة تحت رعاية ملكية مسجلة قانونيا بوزارة العدل الأمريكية، اهتمت بمطالب 408 سجين حرب مغربي محتجزين بتيندوف، باعتبارهم أقدم سجناء حرب على الصعيد العالمي.

من أعضاء هذا اللوبي "روبير هولي" و"جون أبينادير"، فالأول كان مستشارا سياسيا بالسفارة الأمريكية بالرباط سنة 1999 ومحرر التقارير الخاصة بوضعية حقوق الإنسان بالمغرب، وهو الذي سبق وأن أعلن عن غضبه المستطير بفعل مراقبته اللصيقة من طرف عناصر الأجهزة الأمنية المغربية حين كان يستقصي حول أحداث العيون، ومنذئذ انقض الانفصاليون على تصريحاته ووظفوها بشكل واسع خلال دعايتهم المضادة لبلادنا.

أما "أبينادير"، فهو مدير المعهد العربي الأمريكي، الذي تكلف بإقناع "كوندليسا رايس" بإلحاق "البوليساريو" باللائحة السوداء الخاصة بالتنظيمات الإرهابية.

ومن الأمثلة الفاشلة في نطاق استخدام اللوبيات، محاولة السفير السابق بباريس، فتح الله السجلماسي، صهر وزير الخارجية والتعاون، الرامية إلى خلق لوبي فرنسي، يدعم مبادرة الحكم الذاتي في صفوف البرلمانيين الفرنسيين، اعتمادا على "جون روتا" أحد النواب البرلمانيين لمدينة مرسيليا ورئيس "مجموعة الصداقة الفرنسية المغربية" وكذلك البرلمانية "بوليت بريزبيير".

تعيين السفراء

تزامن آخر تعيين لسفراء جدد مع جملة من الأحداث، منها تداعيات انكشاف خطة السفير المغربي السابق بباريس بخصوص إقناع بعض البرلمانيين الفرنسيين بتبني الموقف المغربي في قضية الصحراء والنازلة المرتبطة بإشكالية التسلل المخابراتي بهولندا وواقعة الجوازات الدبلوماسية والشواهد الجامعية العليا "المزورة" بكندا، وكذلك اتخاذ القرارات الدبلوماسية، بخصوص فنزويلا وإيران، الجريئة في نظر البعض والمتسرعة في رأي البعض الآخر.

آنذاك تمّ تعيين 25 سفيرا، ضمنهم 5 سفيرات أضفن إلى الثلاثي السابق ليصبح عددهن 8 سفيرات في المغرب، ومن بين السفراء 25 المعينين 19 اضطلعوا بمهمة دبلوماسية لأول مرة، وكانت مناسبة لتناسل الكثير من التساؤلات حول طرق وآليات اقتراح واختيار السفراء وتداخل العوامل السياسية والمصلحية والروابط العائلية وعوامل أخرى لا يعلمها إلا المقربون من دوائر صناعة القرار.

دبلوماسية الراحل الحسن الثاني

لقد سجل التاريخ أن الملك الراحل الحسن الثاني يعد مهندس سياسة المغرب الخارجية ودبلوماسيته، ومحدد توجهاتها العامة ومحدث أسسها ودعائمها الأولى، وكاد خبراء العلاقات الدولية أن يجمعوا على أن الملك الراحل مكّن بلاده من فرض مكانتها على الصعيد العالمي، لمعرفته بالتاريخ ودرايته بأطواره، ووعيه الحاد والمبكر بأهمية الجيوسياسة وتتبعه عن قرب لتحولات موازين القوى وحدسه لمنحى تطورات المعطيات السياسية العالمية ومتطلباتها المرحلية والاستراتيجية، مما ساعده على اتخاذ عدة قرارات استعصى فهمها على الكثيرين لحظة الإقرار بها، ولم يتيسر فهمها إلا بعد مرور سنوات. وحسب العديد من المحللين، فقد لعبت بعض تلك القرارات أدوارا حيوية في استمرارية النظام الملكي رغم استهدافه داخليا وخارجيا. لكن بعد رحيل الملك الحسن الثاني برزت مجموعة من المشاكل جعلت السياسة الخارجية تتقهقر، مما خلق أحيانا حرجا ساهم في تضييع جملة من المكتسبات، سيما بخصوص الملفات الكبرى، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.

لكن عموما، وبشهادة الكثيرين، شكل المجال الدبلوماسي والعلاقات الدولية فضاء برز فيه دهاء الملك الراحل. لقد كانت تربطه علاقات، ليس فقط مع رؤساء دول، وإنما كان يحرص على علاقته مع الأحزاب السياسية الأجنبية والأوساط الفنية والثقافية، ومع دور النشر عبر العالم، ومع مقاولين كبار دوليين، وكانت الكثير من هذه العلاقات والروابط شخصية، وظفها في تفعيل الاستثمار الأجنبي بالمغرب وخدمته.

وفي هذا الصدد لابد من التذكير بمجموعة من القمم العربية والإسلامية التي ترأسها الراحل الحسن الثاني، لعل أهمها قمة 1974 التي أقرت بالإجماع أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني، وموازاة مع ذلك، على المستوى الشعبي، تم الإقرار، انطلاقا من المغرب، أن القضية الفلسطينية تعتبر قضية وطنية.

كما أنه لا مندوحة من الإشارة أيضا إلى أن إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي كانت في المغرب سنة 1969، إذ على إثر حادث حريق القدس الشريف، دعا الراحل الحسن الثاني إلى عقد قمة إسلامية خرجت بتأسيس المنظمة وتقرر خلالها إنشاء لجنة القدس التي ظل يترأسها حتى وفاته، وخلفه على رأسها ولي عهده، الملك محمد السادس. آنذاك كان الراحل الحسن الثاني حكما في مجال الخلافات العربية - العربية.

كما أنه في عهده انطلق مسلسل التعاون مع السوق الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حاليا)، وكذلك الأمر بخصوص التعاون المتوسطي ومنظمة دول غرب البحر الأبيض المتوسط (برشلونة 1995).
وقتئذ كانت دبلوماسية المغرب نشطة ومتنوعة، وكانت تربطنا علاقات مع المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، قليلة جدا آنذاك، هي الدول التي استطاعت الاحتفاظ بالتواصل المستمر مع المعسكرين معا. خلال تلك الفترة لم تعترف أي دولة من الاتحاد السوفياتي أو أوروبا الشرقية وأيضا أوروبا الغربية بـ "الجمهورية الصحراوية".

وحسب العديد من المتتبعين آنذاك، دون بترول ودون غاز، تمكنت الدبلوماسية المغربية من تحقيق تقدم في ملف الصحراء ضد موقف دولة غنية ببترولها وغازها.

دبلوماسية اليوم ليست هي دبلوماسية الأمس

في الماضي كانت الدبلوماسية علاقات سياسية وتجارية واقتصادية وثقافية بين دولة ودول أخرى أو بين دولة ومنظمات دولية وجهوية، إلا أن دبلوماسية اليوم ليست هي دبلوماسية الأمس.

عندما نتحدث عن الدبلوماسية حاليا فإننا لا نتكلم عن الدبلوماسية الرسمية (وزارة الخارجية) فقط، لأنه بموازاة مع ذلك هناك دبلوماسية برلمانية ودبلوماسية الأحزاب السياسية والدبلوماسية الاقتصادية والدبلوماسية الرياضية والثقافية...
فهناك الأممية الاشتراكية وأممية أحزاب الوسط، كما توجد البرلمانات التي تجتمع من أجل التنسيق ودراسة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقضايا السلم في العالم، وهناك النقابات التي تلعب أيضا دورا في حقل الدبلوماسية، ونفس الشيء بالنسبة لمنظمات وجمعيات المجتمع المدني، دون نسيان الجماعات المحلية في هذا المضمار، والتي تلعب دورها كذلك في المجال الدبلوماسي عن طريق التوأمة والشراكة والتعاون، في إطار اللامركزية بين الأقاليم والجهات عبر العالم.

وهناك كذلك دبلوماسية اللوبيات الدائمة واللوبيات الظرفية التي نشطت بشكل أضحى يجذب الأنظار خلال السنوات الأخيرة.

عبد الرحمان مكاوي أستاذ العلاقات الدولية

القرارات السياسية من اختصاص الملك وحده والعلاقات الدولية تخضع لمعادلة الربح والخسارة

يرى عبد الرحمان مكاوي، أستاذ العلاقات الدولية وخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية أن المغرب بدأ منذ مدة ينهج دبلوماسية هجومية والمعاملة بالمثل، علما أن الدبلوماسية المغربية من القرارات السيادية التي تدخل في اختصاصات الملك وحده حسب الدستور، وفوق هذا وذاك، هناك قرارات سيادية لا يمكن تداولها لحساسيتها، ومراقبتها من طرف الحكومة أو البرلمان تكون بعد اتخاذ القرار عبر استفسار وزير الشؤون الخارجية والتعاون، إلا أن ضعف الدبلوماسية البرلمانية والدبلوماسية الشعبية جعلت المغرب يفقد عدة مواقع هامة، في وقت لم يعد هناك مكان للخطأ أو للتأويل في مجال الدبلوماسية، وبالأحرى الانسياق وراء المزاج.

بإيجاز شديد هل دبلوماسيتنا بخير؟ وهل ما حدث مؤخرا مجرد تعثر أم يدخل في إطار إستراتيجية واضحة المعالم ومحددة المقاصد؟

الدبلوماسية المغربية تتعامل مع الدول وفقا لمصالح المغرب الأساسية : الصحراء المغربية، الإرهاب والأمن الروحي بمفهومه الواسع، فالقرارات المتخذة أخيرا لم تكن اعتباطية في اعتقادي وليست قرارات منفعلة أو متشنجة كما تسوق له بعض المنابر، بل إجراءات سيادية مدروسة ومحسوبة النتائج، نتجت عن تراكمات قديمة وجاءت لتؤكد مرة أخرى على الخطوط الحمراء للسياسة الخارجية المغربية، التي لا ينبغي تجاوزها من طرف الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع المغرب. فبخصوص قضية فنزويلا مثلا كان هناك نقص في التواصل مع الرأي العام، فهيكو شفيز يطبق منهج دبلوماسية الإثارة فهو تارة يقطع علاقاته مع إسرائيل وتارة أخرى يعيد ربطها بعد مرور أسابيع أو أشهر على هدوء العاصفة. تصادف الإجراء الفنزويلي مع قرار نقل السفارة المغربية من كركاس إلى جمهورية الدومنيكان مصادفة لا علاقة لها بأحداث غزة الدموية، فالإجراء المغربي جاء بعد سلوكات غير لائقة صدرت عن بعض المسؤولين الفنزوليين وبعد عدم وفاء وزير الخارجية الفنزويلي بالتزاماته وتعهداته بوقف مشروع بناء برلمان للبوليساريو في تفاريتي وتقديم سفير فنزويلا في الجزائر أوراق اعتماده في تيندوف لزعيم الانفصاليين. أما قضية قطع العلاقات مع إيران، فقد كان الأمر منتظرا نظرا لتجاوز إيران كل الأعراف الدبلوماسية سواء من خلال سوء معاملة الدبلوماسيين المغاربة في طهران أو محاولة خلق أقلية شيعية في المغرب. أما قضية البحرين فهي النقطة التي أفاضت الكأس الذي بدأ يغلي تحت نار هادئة منذ سنة 2002. في هذا السياق، نهج الدبلوماسيون المغاربة طرق بيداغوجية وإعلامية جديدة لتفسير أسباب قراراتهم السيادية، فكل ثغرة في هذا الباب تسمح للدعاية والخطاب المضاد بالنفوذ والتسرب إلى عقول الناس والتشويش عليهم لنية في نفس يعقوب.

هل هذا يعني أن المغرب قرر نهج دبلوماسية هجومية؟

إن المغرب بدأ ينهج دبلوماسية هجومية، دبلوماسية المعاملة بالمثل، بناء على إلحاح الرأي العام وضغطه، أما قضية التواصل مع الجمهور، فيمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة السياسية عن طريق ضخ خبرات مغربية في الميدان الدبلوماسي.

- هناك من يرى الآن أنه أضحى من الضروري إشراك البرلمان والحكومة في بلورة إستراتيجية دبلوماسية حتى لا تظل مقتصرة على دائرة ضيقة، كيف تقيمون هذا الطرح؟

+ الدبلوماسية المغربية هي عبارة عن مجموعة من القرارات السيادية، تدخل في إطار اختصاصات الملك وحده حسب الدستور، ويبدو أن العلاقات بين الدول تتم في سياق مجموعة من التقاليد والأعراف المحددة في مواثيق دولية مصادق عليها من طرف المغرب. فالحكومة من خلال وزير الشؤون الخارجية، والبرلمان بواسطة لجنته في الخارجية والحدود والدفاع، يشاركان، بصفة مباشرة أو غير مباشرة الملك، في اتخاذ وصنع القرار الاستراتيجي للمغرب، فمجلس الوزراء برئاسة الملك يناقش المعاهدات ويقرها وبعد ذلك يصادق عليها من طرف البرلمان. هناك قرارات سيادية لا يمكن تداولها لسريتها أو لأهميتها أو لحساسيتها، فالمراقبة الحكومية والبرلمانية تكون بعد اتخاذ القرار، وكثيرا ما يلتقي وزير الخارجية مع أعضاء لجنة الخارجية للإجابة على كل أسئلتهم واستفساراتهم حول مواضيع سياسية هامة.

كيف تقيمون الدبلوماسية الموازية المغربية سيما بخصوص خدمتها أو عرقلتها لبلوغ الأهداف المرسومة من طرف السياسة الخارجية الرسمية؟

الدبلوماسية الموازية لها أشكال وأدوات وأهداف تصب كلها في الإستراتيجية العامة للدولة، ويبدو أن الدبلوماسية البرلمانية للأسف مازالت دون المستوى المطلوب خاصة في أمريكا اللاتينية وآسيا واستراليا، أما الدبلوماسية الشعبية التي تقوم بها بعض الجمعيات وبعض المعاهد والصحافة الوطنية فهي مفيدة ومنتجة، خاصة في البلدان الديمقراطية التي يلعب فيها الرأي العام دور المشاركة في القرار السياسي والاقتصادي للدول . غير أن هذه الاجتهادات لا تؤخذ بعين الاعتبار، بسبب غياب التنسيق والثقة في هذه المكونات الموازية إضافة إلى ضعف الإمكانات لدى الدبلوماسية الشعبية، مما أفقد المغرب عدة مواقع هامة. هناك أيضا الدبلوماسية الاقتصادية التي أصبحت الآن تلعب دورا نشيطا في إفريقيا وآسيا والتي ينبغي تفعيلها وترشيدها ومواكبتها وتأطيرها سياسيا، والملاحظ أن هناك قارات كاملة مازالت غير مغطاة سواء من طرف الدبلوماسية الرسمية أو الدبلوماسية الشعبية والبرلمانية.

هل السياستنا الخارجية في نظركم تخضع لإستراتيجية معلومة أم أنها تعتمد نهجا براغماتيا حسب الظرفية والمستجدات، مما يجعلها تبدو كأنها مجرد ردود فعل ليس إلا؟

هناك ثوابت ومتغيرات في الدبلوماسية المغربية، فالسياسة لا تبنى على العواطف بل على الحساب والمصالح، فمنذ جلوس الملك محمد السادس على العرش ظهر نوع من التنشيط بالنسبة للدبلوماسية المغربية سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، فأصبحت علاقاتنا الدولية أكثر عقلانية وبرغماتية، بعيدة عن الأضواء والإثارة المجانية، فخلافا لما يعتقد في بعض الأوساط، فإن القرارات الأخيرة ليست مجرد ردود أفعال بل نتيجة لتراكمات سياسية معينة وصلت إلى حدها الطبيعي، وهي قطع العلاقات أو تجميدها. فكل قرار يخضع لمعادلة الربح والخسارة والمغرب حسِب جيدا كل تحركاته وقراراته الدبلوماسية الأخيرة. لقد صار كل شيء يخضع للدراسة والتحليل فلم يعد هناك مكان للخطأ أو التأويل في هذا الميدان الحساس.

هل تعيين السفراء في نظركم يخضع لاعتبارات سياسية أكثر منها مهنية ما دام أن عددا من السفراء لم يسبق لهم أن زاولوا في الأسلاك الدبلوماسية؟

تعيين السفراء يخضع لعدة اعتبارات سياسية تدخل في إطار التوازن العام الداخلي بين كل الفاعلين السياسيين في البلاد. ففي الماضي كان السفير يعين فحسب لمعرفته للغات الأجنبية أو لكثرة سفرياته كبعض التجار الكبار المتعلمين، ولإدراك عمق دور السفير، ينبغي ذكر دور بعض السفراء المغاربة في بداية القرن 19 كالحاج الزنيبر في القاهرة والصفار في باريس والكوهن في طوكيو، ومدى تأثرهم وانبهارهم بالآخر الأوروبي أو الأسيوي في مجال الحقوق والحريات والعلوم والتقنيات. فنموذج السفير الصفار في باريس ومطالبته السلطان سنة 1845 مباشرة بعد هزيمة المغرب في واقعة إيسلي 1844 بالإصلاحات الدستورية خير مثال للسفير الناجح، فالصفار لعب دورا كبيرا في إنشاء أول جريدة في المغرب سميت بالكازييطة (الصحيفة)، خلاصة القول، إن السفير يمثل رئيس الدولة وهو صلة الوصل بين الدولتين. لذلك فمن المفروض أن تتوفر فيه الكفاءة والثقة واللباقة وحسن الخلق. فالسفير الذي لا يتوفر على هذه الملكات والصفات هو إنسان فاشل وقد يتحول إلى عبء وفي علاقة بلده مع الدولة المعتمد لديها. وهناك في تاريخ الشعوب سفراء لعبوا دورا محوريا في نقل علاقات بلدانهم مع دول أخرى إلى مستوى التحالف والصداقة والتعاون، وبعضهم أوصلوا بلدانهم إلى الحروب والتطاحن.

الأمر يخضع إذن لاعتبارات سياسية مدروسة يقوم بها وزير الخارجية عند الترشيح ويتحمل مسؤوليتها قبل رفعها إلى الملك الذي يقرها أو يرفضها، وهذا ما حدث في عدة مناسبات.

عبد الوهاب معلمي أستاذ العلاقات الدولية

قد يكون تقصير في التقدير لكنها قرارات بنيت بالضرورة على أسباب وجيهة

كيف تقرؤون القرارات الدبلوماسية الأخيرة القاضية بقطع العلاقات مع إيران وإغلاق سفارتنا بفنزويلا؟

ما حدث مؤخرا، في إطار قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، يعتبر إجراء استثنائيا حقا، حيث لم يكن متوقعا. كما كان مفاجئا وغير طبيعي أيضا إغلاق بعثتنا بفنزويلا خلال الحرب الإسرائيلية على غزة و نقلها إلى جمهورية الدومينيك. و قد سبقت هذا و ذاك إجراءات مماثلة و لكنها أقل حدة (استدعاء السفير للتشاور) في حق دول أخرى صديقة و هي إسبانيا أو السنغال. قد لا نفهم كل هذه القرارات أولا نتفق حولها، لسبب أو لآخر. غير أنه لا يجب أن نعتقد أنها قرارات اعتباطية أو مزاجية. قد يكون هناك تقصير في التقدير، ولكنها قرارات بنيت بالضرورة على أسباب وجيهة، من منظور أصحاب القرار، و على تقدير دقيق للنتائج. و كما سبق أن صرحت من قبل فإن ما يجمع بين كل هذه القرارات هما دافعان أساسيان، الوحدة الترابية أو الأمن الداخلي.

من يحتكر القرار في السياسة الخارجية؟

صحيح أن هناك في المغرب ما يعرف بالمجال المحفوظ للملك في بعض المجالات و على رأسها السياسة الخارجية. و هذا يعني أن صاحب القرار في هذا المجال هو الملك. بشكل عام فالسياسة الخارجية تدخل ضمن المجال التنظيمي للسلطة التنفيذية ، و بالتالي فالبرلمان لا يتدخل إلا بالطريقة التي يحددها الدستور، أما من يحتكر القرار في السياسة الخارجية داخل الجهاز التنفيذي فقد يكون رئيس الدولة، أو رئيس الحكومة حسب نظام الحكم أو ميزان القوة السياسي بينهما. فالدستور المغربي مثلا ليس فيه ما يمنع، بل على العكس، فيه ما يسمح للوزير الأول (الفصل 60) أن يتولى إدارة السياسة الخارجية، رغم الصلاحيات الهامة الأخرى التي يحوزها الملك والتي عادة ما تدخل ضمن صلاحيات رؤساء الدول في كل دساتير العالم. لكن الممارسة الدستورية و السياسية في المغرب شاءت أن تكون سلطة الملك هي المهيمنة في هذا المجال، كما في مجالات أخرى.

ما هي حال دبلوماسيتنا الموازية؟

+ في الحقيقة ليس هناك، بالمعنى الدقيق للكلمة، سوى دبلوماسية واحدة هي دبلوماسية الدولة. أما الجمعيات و النقابات و الأحزاب و الجماعات المحلية ربما تكون لها علاقات خارجية خاصة بها في إطار التضامن أو التعاون عبر القومي، التي يمكن أن تستغلها، بتنسيق أو بدون تنسيق مع الأجهزة الحكومية، لتدافع عن بعض القضايا الوطنية. و هذا حصل و ما زال يحصل بالنسبة للمغرب خاصة فيما يتعلق بالوحدة الترابية. من جهتها فإن الدول كما نعلم، لا تترد إن أرادت واستطاعت ذلك، في تسخير تلك المنظمات و الهيئات في سياستها الخارجية. هذه أمور يصعب تقييمها بشكل دقيق. و على كل حال، فحدود عمل هذه التنظيمات في قضايا تهم السياسة الخارجية تبقى رهينة بإرادة الدولة و إستراتجيتها الخارجية.

عبد الفتاح البلعمشي / مدير المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات

دبلوماسيتنا، "كتافها باردين" بالأمس واليوم تنعت بالمتسارعة والمنفعلة

هل تتحرك دبلوماسيتنا في إطار استراتيجية محددة سلفا؟

الدبلوماسية المغربية بقيت لفترة طويلة بعيدة عن النقد المفتوح في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، واليوم هي عرضة لكثير من الانتقاد وتخضع لكثير من النقاش، خصوصا بعد دعوة الملك محمد السادس لإخضاع الجهاز الدبلوماسي للإصلاحات التي يدشنها المغرب، والدعوة لضرورة تأهيلها انسجاما مع قضايا وإكراهات الحضور الوطني المطلوب على المستوى الدولي، ولمواكبة التطورات الدولية الحاصلة في هذا الشأن، إلا أن عددا من التغييرات لم تر طريقها إلى النور لتؤطر العمل الدبلوماسي، ولم تستطع الجهات المسؤولة أن تتخلص من الفكر الذي ظل سائدا، ومن ثمة فهي تقف في وجه الإصلاح المنشود، والنتيجة استمرار المطالبات لتحقيق دبلوماسية واضحة وشفافة وواقعية وهجومية ومنضبطة في نفس الآن، وهذا يبدوا غير محقق لحد الآن، لذلك يصعب الحديث عن إستراتيجية متكاملة وهادفة ما لم تتحقق الكثير من الإصلاحات التي باتت مطلبا ملكيا وشعبيا..

هل الشأن الدبلوماسي مازال حكرا على جهة دون سواها؟

هذا يحيلنا إلى أهمية استيعاب الدولة لكل الفاعلين في الأداء الدبلوماسي للبلاد، فبالإضافة إلى المؤسسات التي ذكرت، يجب التعامل بمنطق الشراكة مع كل الفاعلين المؤهلين للقيام بأدوار مكملة وأحيانا مساعدة الدولة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية، وهذا بالضبط ما يصطلح عليه بالدبلوماسية الموازية، ومنطق الخبرة والوطنية شرطان أساسيان في بلورة أي إستراتيجية، وإن كنا نلاحظ شيئا من الانفتاح على بعض المراكز وبعض الفعاليات، إلا أن ذلك يبقى حبيس الانتقادات التي كانت توجه للخارجية المغربية من قبيل الاحتكار العائلي لتدبير الشأن الدولي للبلاد.

ماذا عن دبلوماسيتنا الموازية (البرلمانية، المجتمع المدني...)؟

ما لم تتوفر الحرية والدعم المادي والمعنوي لمبادرات وفعاليات الدبلوماسية الموازية لا يمكن أن نتحدث عن دور مؤثر في هذا الباب، وأقصد بالحرية احترام الآراء المختلفة والعمل على الاستفادة منها متى كانت تصب في خدمة مصالح البلد، فالمهتمون والباحثون والفعاليات غير الربحية أحق بالافتخار حين يهتمون بإشعاع البلد، ويقترحون ويعملون لصالح تحقيق الأهداف الموحدة والمشتركة لسياستنا الخارجية، هذا لا ينتقص من مجهودات الفاعلين الرسميين بل يزيد من حجم المسؤولية الملقاة عليهم لأنه مهما يكن فهم في نهاية المطاف موظفون لدى الحكومة.

كيف تقرأون القرارات الأخيرة التي أثارت الكثير من الجدال؟

أنت تقصد ربما ما طبع الدبلوماسية المغربية مؤخرا من ردات فعل سريعة ومنفعلة، كما حصل مع السينغال وفنزويلا ومؤخرا مع إيران، يبدو أن النقد يلازم الدبلوماسية المغربية هذه الأيام، ففي السابق كانت تنعت بالمتراجعة والسلبية، وكما نقول في الدارجة "كتافها باردين" واليوم تنعت بالمتسارعة والمنفعلة، وبصدق لكل سياسة من هاتين السياستين سلبياتها وإيجابياتها، إلا أنهما بالمقابل ليستا سياستين ناجحتين، فالحكمة تقتضي درس ردود الفعل والبحث عن تحقيق الأهداف بتوازن مع الحفاظ على علاقات ثابتة ومؤطرة لكل نزاع مهما كان حجمه، وبعبارة أخرى يجب دائما ترك مجال للتفاوض والتحكم في ردات الفعل، ومن هنا يصعب تصنيف دبلوماسيتنا في إحدى الخانتين خصوصا أمام التوتر الحاصل مع إيران، وحتى إن افترضنا جدلا أن هناك نهجا براغماتيا في الموقف من إيران، هل لك أن تدلني على المكاسب المباشرة من وراء اتخاذ قرار قطع العلاقات حتى نؤكد أو ننفي هذا الطرح، ثم إن تقديم تنازلات معينة يجب وضعها مسبقا في ميزان المكاسب المترتبة عليها وضمانها قبل إتيان الفعل، لا أن نتخذ المواقف وننتظر المقابل الذي قد يأتي أو لا يأتي.

لماذا رفضتم المشاركة في الوفد الذي تقرر أن يتجه إلى فنزويلا؟ و ما هي دواعي الإفصاح عن هذا الأمر رغم أنه قيل بأنه يكتسي طابعا سريا؟

لدي حساسية كبرى من مصطلح السرية حين يتعلق الأمر بخدمة القضايا الوطنية، فمن يلجأ للعمل السري هي المنظمات التي تقاوم الاستعمار، أو الأجهزة الإستخباراتية التي تسهر على جمع المعلومات، أما العمل المدني والإعلامي والفكري فإما أن يكون علنيا أو لا يكون.